السيد محمد حسين فضل الله

221

من وحي القرآن

والظاهر أن المراد بها الضرر الدنيوي لا الأخروي ، لأنه تابع للتحريم الذي تستوجب مخالفته العقاب في الآخرة . وهذا مما لم يكن معهودا قبل الآية ، ليتحدث اللّه عنه كشيء وجداني معلوم للناس في ذهنيتهم الشرعية ، لأن الغرض أنهم في موقع السؤال عن التحريم كموقف إسلامي فيه الأمر الذي يجعل الضرر الأخروي نتيجة للآية ، لا تحليلا للمسألة وتقريبا للصورة . وربما يستفاد ذلك من « مقابلة في قوله تعالى : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، فإن النفع - في مفهومه - يقابل الضرر ، فهما يتواردان في الأشياء التي يتطلبها الناس لخصائصها الإيجابية أو يكرهونها لخصائصها السلبية ، مما يجعل من ذكر أحدهما في مورد قرينة على إرادة مقابلة في مجال المقارنة بين الخصائص الكامنة في الشيء . وربما كان المراد من المنافع حالة الفرج النفسي الذي يحدث في حالة السكر عندما يدخل الإنسان في غيبوبة ذهنية ضبابية ، توحي له بالمرح واللهو والعبث ، بحيث يتخفف من قيوده الاجتماعية التي يفرضها عليه عقله ، فيبتعد بذلك عن ضغط المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية ونحوها ، مما يجعل من الخمر سببا في الهروب من الواقع ، بدلا من أن يكون حلا للمشكلة وتركيزا للواقع . أما في القمار ، فقد تكون المنافع متمثلة في الأرباح التي يحصل عليها المقامر - في بعض الحالات - بيسر وسهولة ، فلا يتكلف في سبيل الحصول عليها أي جهد أو تعب مما يتكلفه الناس في حركتهم المعاشية في الأسفار البعيدة والأخطار الكثيرة ، بالإضافة إلى ما يستتبع ذلك من الحالة النفسية المرحة في حركة اللعب الذي يؤدّي إلى الربح . وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فإن الأضرار التي تحدث للحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية في جميع مجالاتها ، في الخمر والميسر ، أكبر من المنافع الحاصلة منهما ، لأن الهروب من الواقع ، ونسيان المشاكل في لحظات السكر ، قد يخدّر الآلام الكامنة في الواقع ، من خلال مشاكل الإنسان الخاصة والعامة ،